ابن بسام

201

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أقصيت ، وذكر ذنوبا كانت مني ، وأقوالا بلغته [ 1 ] عني ، منها تحصيل حركاته وأخباره ، وتحريف ما كنت أشاهده في مجلسه الكريم من آثاره ، وأراه يذهب في تعديد ذلك ذهابا دلّ على حرد ، وأنبأ عن سوء معتقد ، فأزعجني الأمر إزعاجا يقتضيه تغيّر رأي مثله من الأملاك ، الذين هم كالليل في الإدراك [ 2 ] ، وكالقضاء إذا شاءوا في الهلاك ، ولم أجد لنفسي قرارا على تغيّره ، ولا هدوءا مع تنكّره ، وقد يجوز أن يكون للمبلّغين في السعاية بلاغات محرّفة ، واختلاقات مزخرفة ، تثير بسعيها حرجا ، وتهيج أنفا [ 3 ] ، فما لي حرمت منه ما هو معلوم دون ملوك العصر ، من سعة الحلم وكثرة الصّبر ؟ ولم عدمت عنده ما هو موصوف به من كظم الغيظ إذا أحفظ ، وذكر الرضى إذا أغضب ؟ بل كيف حتى خصصت وحدي من بين العالم ، بأن يصغي في جهتي إلى النمائم ؟ ! ولو رزقت من تأمّله - أيّده اللّه - ما أصغى إلى ذلك الناقل وما أنهاه ، إذ الإفك ما حكاه ، فلم يك من ذوي الأديان فيوثق في نقله ، ولا من ذوي النصائح فيقبل من مثله ، ثم من أعظم الخطوب ما أدرجه في أثنائه ، من تعديد أياديه وآلائه ؛ ونعم ، أولى - أيده اللّه - وشرّف ووجّه ، ونبّه من خمول ونوّه ، ولست لكلّ ذلك بكاند ، ولا لجميع ما أولاه بجاحد ، ولو جحدت / لأقرّت عليّ المواهب ، ولو سكتّ لأثنت بآلائه الحقائب [ 4 ] ، وأحمد اللّه تعالى على ما اتّفق لي عنده من هذا الاعتقاد فيّ ، والنظر بمثل هذه العين إليّ ، [ هذا ] مع فرط تحرّزي وانقباضي ، وتناهي تذلّلي وانخفاضي ، وما جبلت عليه من سكون الطائر ، وغضّ الناظر ، وخزن اللسان ، ومهابة السلطان ، في السرّ والإعلان . وإذا فكرت في ذلك لم أستغربه ، لما علمت من شقائي في جدّي [ 5 ] ، وسوء أثر الزمان عندي ، ففي مولدي أن تقسو عليّ قلوب أستلينها وأستلطفها ، وتعرض عني جوانب أستميلها وأستعطفها ، وما زلت مذ كنت أعتذر مظلوما وأسترضي متسخطا ، وأداري متشططا ، واضطرّ إلى الإقرار بأجرام [ 6 ] لا أجنيها ، والاستعفاء عن ذنوب لا أدريها ، وكيفما دار الأمر ، وتصرّف بي الدهر ، فإني لا أفارق عصمة ولائه ، ولا أنحرف [ 7 ]

--> [ 1 ] د ط س : بلغت . [ 2 ] من قول النابغة : فإنك كالليل الذي هو مدركي . [ 3 ] ط د س : جرحا وتهيج قرحا . [ 4 ] من قول نصيب بن رباح ( ديوانه : 59 ) : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب [ 5 ] س : شقي جدي . [ 6 ] ب م : بالأجرام . [ 7 ] س : أتحرف .